الظلام الأخير .. الجزء الأول



الظلام الأخير

كعادتي كنت أقضي وقتي في مشاهدة مقاطع الفيديو على موقع يوتيوب ..
ألقيت نظرة على جدار الغرفة والذي يحمل أكبر لوحة رأيتها .. لوحة كنت اشتريتها منذ زمن بعيد تظهر بوابة سوداء .. اسمها بوابة المجهول.. اعجبتني كآبتها والوانها المقبضة .. اشتريتها من الرسام من دون ادنى فصال في السعر .. على كل حال انا لا مشكلة لدي في شراء ما يعجبني بأي سعر .. أربعون عاما من العمل المتصل جعلتني احصل على ثروة لا بأس بها
نظرت للوحة بتمعن .. كانت تسيطر علي مشاعر سلبية .. ضيق شديد من هذا العالم الكئيب .. ترجم هذا لبحثي على يوتيوب عن مقاطع فيديو مخيقة، كنت ابحث عن شيء يعكس ضيقي الداخلي، كنت ابحث عن مقاطع فيديو للقتل .. للذبح، ببساطة بحثت عما يحرر طاقتي السلبية الداخلية املا في إيجاد ارتياح مفقود منذ زمن
عندها ظهرت أمامي هذه القناة العجيبة التي لن أنساها
" اعرف ما تبحث عنه"
اسم عجيب ولا يعبر عن اي محتوى، صورة القناة كانت كئيبة للغاية
صور لخيالات سوداء متداخلة مع اللون الأحمر القاني والأزرق
صورة رأيتها في ذلك الوقت جميلة وتعبر عما يجيش به صدري
ضغطت عليها وأنا أمني نفسي بمقاطع فيديو دموية، اعلم ان هذا مستحيل لأنه ببساطة يخالف قواعد اليوتيوب لكن هذا ماكنت ابحث عنه.
دخلت القناة لاستعراض الفيديوهات
الغريب اني لم أجد سوى فيديو وحيد!
صورة الفيديو سوداء ولا تعبر عن اي محتوى
مع عنوان أغرب!
"هنا ستجد ضالتك!"
لم أتردد في الضغط على الفيديو وقد تملكني شعور غريب بأني فعلا وجدت ضالتي
###
بدأ الفيديو في العرض
السواد يملاء الشاشة .. لا حركة .. لا صوت
انتظرت ثواني قبل ان أقرر أن أغلق الفيديو مع شعور بالإحباط يتملكني
انا مجرد ساذج آخر قرر أن يفتح فيديو بدون عنوان وبدون صورة فقط ليزيد عدد مشاهدات الفيديو
تحرك اصبعي لكي يضغط على زر الإيقاف قبل ان اكتشف ان هناك شيء يتحرك في خلفية المشهد!
من الصعب ان تميز خيال رمادي اللون يتحرك ببطئ في شاشة سوداء معتمة .. لكني لمحته .. لا ادري لماذا تملكني الرعب بدون مبرر!
وقبل أن أغلق الفيديو اكتشفت ان الفيديو قد انتهي بالفعل
١٠ ثوان فقط هي مدة الفيديو!
صاحب الفيديو رجل صادق للغاية .. لم يعدني بأي شيء في الفيديو لا في العنوان ولا في الصورة ومع ذلك انا اشتريت منه وفتحت الفيديو!
جلست مفكرا .. لماذا أحسست بهذا الرعب المفاجئ.. هل هو شعور التوجس اللي تملكني قبل ان افتح الفيديو!
هل هي الحركة الخفيفة التي ظهرت في النهاية!
ما الذي تحرك في المشهد .. هل هو شخص ام شبح!
اي شبح يحترم نفسه يعرف ان تأثيره يكمن فقط في الظلام .. كل شيء في الظلام مخيف .. مقبض ..
تخيل لو شاهدت شبحا في الحديقة وقت الظهيرة!
سيكون من الصعب وقتها ان تصدق ان ما تراه شبحا حتى لو أقسم لك! سيصبح الامر سخيفا للغاية وغير مقنع!
وحده الظلام هو الذي يحرك الخيالات ويجعلك تجفل وتقفز صارخا لو أحسست بشيء جانبك حتى لو كان قطك الأليف.
مازال يسيطر علي هاجس ان هناك شيء خطأ في هذا الفيديو لا أستطيع تبين كنهه
سأعاود تشغيل الفيديو مرة أخرى
شيء عجيب!
بدأ لي اني لا اعيد تشغيل الفيديو بل استكمله
دققت النظر في شاشة هاتفي
بالفعل هناك شيء ما أراه أمامي
هناك خيال يتحرك بلا شك وضوء ضعيف لا أدرك مصدره!
حركة بسيطة ولكنها واضحة بعد أن اعتادت عيني على الظلام
دققت اكثر فيما بدى لي كجدار امام هذا الشبح
جدار كبير معلق عليه ما اظنه لوحة كبيرة
بالتأكيد هذه مجرد خدعة بصرية
الكاميرا تقترب أكثر ببطء شديد
بلا شك زادت مدة الفيديو عن ال ١٠ ثواني!
لا افهم التقنية التي تجعل الفيديوهات تزداد مدتها من تلقاء نفسها
الكاميرا تقترب اكثر .. ومع كل ثانية يزداد انتصاب شعر رأسي!
بعد ثوان نهضت كالملسوع!
القيت الهاتف من يدي وهو ما جعلني اغيب في ظلام دامس بعد غياب ضوء الهاتف الضعيف
التفت حولي وانا متأهب للقتال تائه في الظلام
ما هذا السخف
من يستطيع ان يتلاعب بي بهذا الشكل
شخص ما اخترق نطاق عزلتي الاختياري ودخل الفيلا وصور هذا الفيديو من أجل ارعابي!
عدت التقط الهاتف مسترشدا بضوئه الضعيف لكي أتأكد أنه لا يوجد أحد غيري في الغرفة
هذا يؤكد نظريتي ان هذا فيديو مسجل بغرض إرهابي.. لا يوجد أحد معي بلا شك!
جلست مفكرا للحظات .. لماذا هذا التعقيد
وهل من المنطق ان المخترق المجهول لمنزلي أنشاء حسابا على يوتيوب ووضع عليه الفيديو آملا ان أجده في يوم ما!
هذا شخص يؤمن بقوة في نظرية المصادفة!
بالله عليك قل لي ما فرصة ان اجد هذا الفيديو بين ملايين الفيديوهات على يوتيوب!
عدت لفتح تطبيق يوتيوب مرة أخرى لأجد القناة مفتوحة والفيديو اياه أمامي
بنفس عنوانه وصورته الكئيبة
لا أدرى لما احسست انه هذا المرة ينتظرني بتحدي .. انا اتحداك ان تعيد تشغيلي مرة أخرى!
اطرقت مفكرا .. ثم قبلت التحدي
عجيب أمر هذا الفيديو .. كل مرة اقوم بتشغيله أجده مختلف .. والأدهى انه يكمل في نفس النقطة التي توقفت عندها!
مع انه في كل مرة يبدأ التشغيل من الصفر ..
عموما كنت بدأت اعتاد الأمر!
نفس اللقطة .. مصور هذا الفيديو يفهم في الإخراج بلا شك .. يعرف معنى الراكور ويعرف تقنيات التصوير والتلاعب بالاضاءة
دقات النظر مرة أخرى في الفيديو .. لن أتعجب اني سأحتاج لعلاج عينيي بعد كل هذا التدقيق في الظلام
الصورة أمامي تعكس بشكل باهت ما يبدو خلفية جسد بشري يجلس وأمامه مصدر ضوء باهت .. التفت حولي مرة أخرى كالملسوع مسترشدا بضوء هاتفي النقال لأتأكد أنه لا يوجد أحد خلفي يلاعبني!
الأمر يفوق الاحتمال .. ومع ذلك كان الفضول يقتلني لأعرف ماذا يحدث
عدت للهاتف .. هذا الفيديو مهذب للغاية .. يتوقف عندما تحول نظرك عنه .. لا يريدك ان تفقد اي ثانية منه!
الكاميرا تقترب اكثر مع حركة بطيئة نحو الجدار .. اللعنة على الخدع البصرية!
هذه اللوحة احفظها جيدا لأني قضيت ساعات في تأملها في الواقع
الخلفية الرمادية الباهتة ذات الحواف الزرقاء .. الباب الأسود الكبير المغلق في المنتصف .. الخيال الواقف امام الباب الذي لا يجعلك تميز ان كان متجها نحو الباب او خارجا منه.. الجديد هنا ان الباب هذه المرة كان يبدو مواربا غير مغلق!
لا شك انها خدعة بصرية بسبب الإضاءة
هل تسألني لماذا لم اتفحص اللوحة بضوء هاتفي! يا عزيزي الأمر لا يحتاج لتجربة .. قليلة هي اللوحات اللي تتغير من تلقاء نفسها وبالتأكيد لوحتي ليست من ضمنها .. الرسام لم يخطرني بهذا وقت شراءها منه .. على كل حال ذكرني ان اتفحصها لاحقا لكي اتأكد من انها لم تتغير وإلا فسوف اعيدها للبائع مع ووعودي الصادقة بخراب بيته
عدت من شرودي للفيديو البطيء .. لقد توقفت منذ فترة من ان أراجع عداد الثواني .. لقد أصبح مستوى الإثارة اعلى بكثير من ان اتعجب من طول الفيديو.
شيء آخر عجيب في اللوحة التي تظهر في الفيديو .. الخيال في اللوحة أكبر من الطبيعي .. لو أردنا الدقة - واعذرني على قلة أدبي - هذا الخيال يبدو وكأنه يكبر .. يزداد طولا بلا انقطاع!
انا استطيع ان أتفهم ان تتغير اللوحة لكن ان يطول الخيال حتى يبدو وكأنه أصبح أطول من اللوحة نفسها فإن ذلك يدخل في إطار قلة الذوق .. عيب عليك ان تخرج من لوحتي دون اذني ..
غلبني الفضول!
رفعت هاتفي تجاه لوحتي الحقيقية الموضوعة على الجدار نظرت فلم أشاهد شيئا .. لم اشاهد شيئا على الإطلاق!
في الحقيقة كنت انظر لظلام دامس لا يستطيع ضوء الهاتف تبديده!
رفعت رأسي لأعلى مسترشدا بضوء الهاتف
عندها رأيته ..
وجه بلا ملامح يحمل العن عينان رأيتهما!
عينان حمراء كالجحيم .. تحدق في!
صرخت ..
سقط الهاتف من يدي
عندها ..
حل الظلام
..
الظلام الأخير
عمر الشال
٣١ يناير ٢٠٢٠

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دليل حقوق المواطن وواجباته عند التعامل مع أجهزة الشرطة - وزارة الداخلية

محدث - حقائق صادمة : ذهب مصر المنهوب ... عن جبل السكري نتحدث #SCAF #Egypt #NoSCAF

حملة إعرف فلولك وعلم عليه : #شفيق لم يقم بطلعة جوية واحدة في حرب 73 !!