أسطول "موسى"


د./ بـاســم خـفــاجـي
b.khafagy@e-l-m-e.com

لماذا لا نرسل نحن أبناء مصر سفناً محملة بالمعونة إلى إخوتنا في غزة؟  صحيح أننا نملك أن نرسل المعونات عبر الحدود البرية، ولكن السفينة اليوم تحمل معنى أخر، وتسمح لغيرنا بالتفكير في نفس الفكرة.  ولماذا لا يكون اسم السفينة .. "سفينة موسى" .. أو "أسطول موسى"، ألم يعش نبي الله موسى في مصر لسنوات طويلة؟  ألم يكون نبي الله موسى هو نبي الرحمة الذي حارب من أجل ألا يتم اضطهاد قومه على يد الظلمة في زمانه؟  ألم يكون نبي الله موسى قوياً شجاعاً مقداماً حريصاً على نصرة المظلوم؟  أليس نبي الله موسى هو نبي كل الأديان، وهو من أولي العزم من الرسل، وهو قدوة للمسلمين ولغيرهم من أبناء الديانات الأخرى؟  إنها لحظة فارقة يجب أن نوضح فيها للعالم أن الأديان لا يجب ولا ينبغي أن تستخدم ذريعة للاحتلال أو مبرراً لقهر للمحتلين تحت شعار "يهودية دولة".  نبي الله موسى كان حراً وحارب من أجل حرية بني الإنسان، وكان الأجدر بأتباعه أن يتذكروا ذلك وهم يمارسون أحقر أنواع التمييز والقهر ضد أبناء فلسطين بالعموم وأخوتنا في غزة تحديداً في هذه المرحلة.
ألم يحن أوان أن تجتمع كل القوى الوطنية في مصر بصرف النظر عن توجهاتها أو معتقداتها من أجل رفع الظلم عن جيراننا؟  إننا عندما نفعل ذلك، فنحن نجمع الأصوات المتفرقة في مصر على قضية لا خلاف عليها، وهو أن نصرة المظلوم هي من سمات كل أبناء مصر.  نحن بحاجة إلى أن نجتمع لكي ننهض بواقع مصر، ولكي نعيد لها مكانتها التي اهتزت بأفعالنا وأفعال بعض مسؤولينا وقادتنا ودعاتنا.  مصر بحاجة إلى أن تعود لتتبنى قضايا مجالها الحيوي .. ونطاق تأثيرها الجغرافي.  مصر بحاجة إلى تعود قائدة لمن حولها، ناصرة لمن يستنجد بها، قوية بكل أبنائها، عزيزة بكرامتها ونصرتها للحق والخير. 
إذا كانت تركيا تستطيع أن ترسل مجموعة من السفن لنصرة غزة، فنحن نملك أن نرسل أسطولاً أوله في غزة وآخره في الإسكندرية إن أردنا أن نفعل ذلك، وسيناصرنا كل العرب والمسلمين وكل من يحبون للحق أن يظهر في هذا العالم وما أكثرهم.  هل يعقل أن ترسل أيرلندا سفينة على متنها مشاهير الكتاب والمفكرين والمثقفين، ونحن فقط نشاهد ذلك أو حتى نناصره بالكلمات؟  أليس الأجدر بنا أن نكون الداعين إلى أسطول عالمي لنصرة غزة تحت شعار "أسطول موسى"  يدعى كل أحرار العالم إلى المشاركة فيه.  ولا أظن إن فيما نفعل ما يخالف العلاقات التي تربط الدولة بذلك الكيان الغاصب، فنحن لسنا الدولة، ولكننا فقط نريد ممارسة حق المجتمع المدني المصري في نصرة المظلوم ومعاونة الجيران والمساهمة في إحقاق الحق في زمن غابت فيه شموس الحقيقة وراء خداع الإعلام والسلطة والهيمنة ممن يناصرون الكيان الصهيوني حتى في ظلمه لبني جلدتهم هم! ما أعجب بعض دول الغرب ــ وأغربها أمريكا ــ التي لم تنتصر للإهانات التي لحقت بأبنائها في أسطول الحرية على يد أعداء الحرية في هذا الزمان، رغم أنه كان على متن السفينة سفراء سابقين للولايات المتحدة.  عجباً للخوف الأعمى من كيان ظالم آن للعالم أن يوقفه عن ظلمه وحقارته.
التظاهر على أبواب السفارات لن يجدي نفعاً.  أن نطلب طرد السفير هو مطلب مشروع، ولكنه لن ينفع أخوتنا في فلسطين.  وأن نكتفي بالشعارات أمر معيب يجب أن نتوقف عنه، فالعالم لم يعد يقبل بالشعارات الرنانة في زمان الفعل والإنترنت والتواصل المباشر مع الأحداث.  أحزنني أن الكثير من الدعاة والمفكرين والمثقفين اكتفوا بالكلمات الرنانة المنمقة.  هناك شهداء قدموا أرواحهم هدية لأبناء غزة، وقياداتنا الفكرية والدعوية لا تزال تجاهد بالكلمات الرنانة.  معذرة فنحن شعب مصر وكل من يعيش على أرضها لم نعد نصدق تلك الشعارات الجوفاء، التي لا يصاحبها بل ويسبقها العمل والمواقف الرجولية، وليس فقط الكلمات الصاخبة ذات الرنين العالي.  حقاً .. الإناء الأجوف يصدر أصواتاً عالية عندما تطرقه مطارق الحياة.
كتبت إلى العديد من رموز الفضائيات المسلمة أن يجعلوا من برامجهم وسائل عملية لنصرة أبناء فلسطين، ولم يستجب إلا أقل القليل.  أتساءل عن الصمت الغريب للدعاة.  ولفت نظري بيانات الدعاة التي صدرت وكلها تحمل رسالة واحدة .. وهي توجيهات للأمة، وهذا بالتأكيد مهم ومطلوب، ولكن ماذا عن دوركم أنتم أيها الدعاة:  هل يكفي أن تطالبون الآخرين بالعودة إلى  الدين أو الجهاد أو رفع الظلم؟  رأيت بيانات عليها عشرات التوقيعات، ولكني لم أرى من الدعاة من دعا إلى تجهيز سفينة، أو جمع معونات، أو تحديد أعمال يقوم بها الدعاة والعلماء والمثقفين تناسب مقامهم وقيمتهم التي تتطلع إليها الأمة.  مجرد توعية الآخرين ليس كافياً، وما كان هذا فعل من سبقنا من الأنبياء والعلماء والدعاة.  أليست هذه اللحظة هي الوقت المناسب لكي ينضم الدعاة والعلماء إلى قوافل السفن العاملة من أجل رفع الظلم عن فلسطين؟
ما أروع مشهد الشيخ الفاضل رائد صلاح وهو على متن السفينة.  كان هناك الكثير من مختلف طبقات وفئات المجتمع العربي والمسلم والإنساني، ولكن لم يكن من العلماء والدعاة من خارج فلسطين أحد.  أيقبل هذا في السفن القادمة؟  إن كان قد حدث في أسطول الحرية فقد حدث، ولكن ماذا عن السفن القادمة .. هل سيبقى العلماء والدعاة خارج قائمة ركاب تلك السفن؟  أعلم أن الكثيرون سيهبون للدفاع عن العلماء والدعاة وأنا محب لهم، ولكن تخيلوا معي لو أن "أسطول موسى" على متنه الشيخ يوسف القرضاوي .. أو الشيخ سلمان العودة .. أو الداعية خالد الجندي .. أو الشيخ عائض القرني .. أو الشيخ محمد حسان .. أو .. أو .. أو .. ماذا لو كان على متنها رؤساء تحرير الصحف والمجلات العربية والمسلمة .. ماذا لو شارك كبار الكتاب والصحفيين والمثقفين .. تخيلوا معي ما يمكن أن يحدث إن شارك هؤلاء بالفعل وليس بالقول فقط.
أنا لا أقلل من شأن وقيمة ما يقدمون من فكر ودعوة وتجيهات، ولكننا بحاجة إلى نقلة أخرى في العمل من أجل نصرة أخوتنا في غزة، ولن يكفي القول أو دعوة الآخرين إلى الفعل.  الإنسان حيث يضع نفسه .. والشعوب حيث تضع نفسها، وقد أثبت الشعب التركي في أسطول الحرية .. أنه لا يتكلم فقط .. ولا يجمع المال للسفن فقط .. ولا يجهز السفن فقط .. ولا يسافر على متنها فقط .. ولا يساعدهم ويساندهم قادة الدولة فقط .. بل يقدم حياة أبنائه شهداء كراماً من أجل أبناء غزة .. هذا ما فعل الشعب التركي لغزة في أسطول الحرية .. فهل سينافسه الشعب المصري في "أسطول موسى" .. أم ستبقى كلماتي صرخة .. لا تجد لها من يسمعها وينصرها ويساهم في تحولها إلى واقع يتكاتف حوله شعب مصر.  هل لـ "أسطول موسى" من نصير؟
______________________
د. باسم خفاجي:  مدير المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب، ICAWS، وباحث مهتم بالسياسات الدولية والعلاقة مع الغرب. يمكن التواصل مع الكاتب عبر البريد الإلكتروني b.khafagy@e-l-m-e.com

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

محدث - حقائق صادمة : ذهب مصر المنهوب ... عن جبل السكري نتحدث #SCAF #Egypt #NoSCAF

شاهد مع عمر الشال كيف تؤمن نفسك علي الفيس بوك ؟

دليل حقوق المواطن وواجباته عند التعامل مع أجهزة الشرطة - وزارة الداخلية