ليته يعتذر أو يعتزل ! بقلم د. الشافعي بشير


رحم الله الرئيس جمال عبد الناصر.. فقد أعلن بعد النكسة أنه سيعتزل رئاسة الدولة.. ولو أنه فعل ذلك لوضع في تاريخ مصر سابقة مهمة لعدم تأبيد رئاسة الجمهورية حتي الموت الذي لحقه بعد ثلاث سنوات.. ولو أن الرئيس السادات -رحمه الله -التزم بالدستور الذي نص علي أن مدة الرئاسة لا تزيد علي اثنتي عشرة سنة.. لكان هو الآخر قد أرسي مبدأ دستورياً مهماً في احترام الدستور والالتزام به، وقبل أن يكون الرئيس السابق اعتزالاً ليصبح أكثر تأثيرآً في الحياة السياسية المصرية مما حدث له بإخلاء الرئاسة اغتيالا والعياذ بالله.

وهكذا خلا تاريخ مصر من عبارة الرئيس السابق اختياراً كما حدث من جانب الرئيس الفرنسي شارل ديجول عام 1969 عندما أعلن أنه سيتنحي عن الرئاسة إذا لم يوافق الشعب علي مقترحاته في الاستفتاء.. وقد فعلها صادقا في وعده أو وعيده وانتقل لقضاء بقية حياته في قرية حتي وفاته باعتباره الرئيس السابق اعتزالا.. وهو ما فعله الرئيس الروسي بوتين عندما أعلن أنه لن يرشح نفسه لفترة ثالثة بعد انتهاء المدتين المنصوص عليهما في الدستور.. وصدق في وعده واعتزل الرئاسة، وقبل أن يكون رئيسا للوزراء إلي جانب الرئيس الروسي الجديد.

وكان الرئيس الأمريكي جورج واشنطن أول من وضع التقليد الدستوري العظيم بعدم تأبيد الرئاسة حتي الموت، مكتفيا بمدتين فقط.. وتبعه الرؤساء الأمريكيون اللاحقون في احترام النص الدستوري الذي نقله الرئيس السادات إلي دستوره عام 1972.. ثم عزّ عليه أن يحمل لقب الرئيس السابق، فعدّل الدستور ليكون رئيسا إلي الأبد حتي الموت الذي لم يسعفه لمدة ثالثة.. وقدر الله وما شاء فعل حتي جاء الرئيس مبارك، وسار علي نهج السلفيين في الرئاسة.. باقيا علي كرسي رئاسة الجمهورية منذ عام 1981 حتي اليوم، مع تخطيط سياسي ودستوري وقانوني لكي يبقي في الرئاسة إلي الأبد بعد توريثها لابنه جمال مبارك.. وهو منهج ثالث لم تألفه النظم الجمهورية ولم يألفه شعب مصر الذي انتقل عام 1952 من الملكية الوراثية إلي الجمهورية الانتخابية بمفهوم تبادل منصب الرئاسة بانتخابات حرة نزيهة.

والحرة النزيهة .. هي مصيبة مصر ومأساتها.. وهي العُملة المصادرة أمام العملة الرديئة بالانتخابات المزورة إلي الأبد، والتي بدأ التحضير لها بتعديل المادة «76» من الدستور وتعيين رئيس المحكمة الدستورية ووزير العدل المشرفين علي الانتخابات الرئاسية المقبلة وإلغاء وجود قاض مشرف علي كل صندوق للاقتراع.. في تفصيل عباءة رئاسية علي مقاس ابن الرئيس بتدبير ساذج من كتيبة ترزية القوانين في مصر.. فيقول ساذجا لأنه لم ولن ينطلي علي أحد إلا إذا كان ساذجاً أو ماكراً أو مغرضا أو منافقاً.

لماذا كل هذا الكلام؟ الحقيقة أن الرئيس الأمريكي المنتخب باراك حسين أوباما هو السبب.. فقد أذهلنا نحن المصريين بما فعله في الأيام القليلة الماضية عندما تسرع في الحكم علي تصرف ضابط البوليس الأبيض مع أستاذ جامعة هارفارد الأسود، إذ وصف تصرف الضابط بأنه تصرف غبي فأثار موجة من التساؤلات حول العنصرية في أمريكا وهو موضوع شائك وخطير للغاية.. فسارع إلي الاعتراف بخطئه وتسرعه في الحكم قبل أن تكتمل أمام عينيه كل تفاصيل الموضوع.. واعتذر عن تصرفه فورا ووجه دعوة للضابط الأبيض والأستاذ الأسود إلي مقر رئاسة الجمهورية تأكيداً عملياً وسياسياً لاعتذاره.

إنه رئيس أكبر وأخطر دولة في العالم.. اختاره الشعب الأمريكي في انتخابات حرة نزيهة ليكون رئيسا ديمقراطيا مسئولا عن كل تصرفاته أمام الشعب مصدر السلطات.. وهكذا يسير باراك علي نهج السابقين من رؤساء الجمهورية بالوقوف أمام الشعب والاعتذار عن خطئه كما فعل الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون ومن بعده الرئيس كلينتون.. فلا أحد فوق الشعب ولا أحد فوق المسئولية والمساءلة.. ولا أحد باق في الرئاسة إلي الأبد.. فالاعتذار عن الأخطاء والاعتزال بعد مدتين فقط في الرئاسة تقاليد دستورية وسياسية راسخة في الديمقراطية.

فهل لدينا ديمقراطية تعرف الاعتذار والاعتزال؟ هل سمعنا اعتذاراً من الرئيس مبارك عن خطأ ارتكبه في الثماني وعشرين سنة الماضية؟ وما أطول تلك المدة وما أكثر ما فيها من أخطاء؟ وهل سنري احتراما للنظام الجمهوري بالاعتزال وليس بالتوريث ولو بملاعيب شيحا؟! ياريت.


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

محدث - حقائق صادمة : ذهب مصر المنهوب ... عن جبل السكري نتحدث #SCAF #Egypt #NoSCAF

دليل حقوق المواطن وواجباته عند التعامل مع أجهزة الشرطة - وزارة الداخلية