أحمد خالد توفيق يكتب: يوم حار جدا

ثالث أيام رمضان، الساعة الواحدة ظهرا، وليس فى جسدك نقطة واحدة من الماء.. لن تعلن النصر على جسدك قبل ست ساعات أخرى، ولكن فى الآن ذاته ليس هناك من يبالى بالظمأ لأن كل أجهزة التليفزيون مفتوحة فى كل صوب، والكل يتابع محاكمة القرن.
التاكسى يتوقف عند إشارة، فيثب فيه ذلك العجوز ضيق الخلق المتشكك فى كل شىء، فما إن يجلس حتى يبصق من النافذة ويؤكد:
«تمثيلية.. كلها تمثيلية.. الشعب ده غلبان وأهبل وبيصدق أى حاجة»!


منذ دقائق كان أحد المحامين يؤكد أن الموجود فى القفص ليس (مبارك) ويطالب بعمل اختبار الحمض النووى.. الذكاء المفرط أتعبنا جدا وخرب بيوتنا وضللنا.
لو صدقت هؤلاء القوم فما زال صدام وياسر عرفات وربما الملك فؤاد ويوليوس قيصر أحياء. أدرت وجهى لأنظر خارج النافذة فى قرف، بينما العجوز الخشن يؤكد أن هذه تمثيلية لن تفضى إلى شىء.. لقد بدأ يعرق ويبصق فى كل اتجاه كأنه ثعبان أبى مرينة المائى.


 قلت له كاتما غيظى:
«منذ يومين كان هناك مقال يقسم بأغلظ الإيمان أن مبارك ليس فى مصر أصلا، وأنا شخصيا كنت واثقا من أننى لن أراه فى القفص أبدا ... لقد تبين لى أننى كنت أحمق، ولعل هذه من أسعد اللحظات التى شعرت فيها بحماقتى». كنت أتوقع أن محامى مبارك سيقدم أوراقا تثبت أن موكله مريض ولن يقدر على حضور المحاكمة، وكان فى هذا مزيد من كسب الوقت مما يسمح لمبارك بأن يموت على فراشه.


لكن الرجل راكب التاكسى لا يتوقف عن الذكاء.. كمية عبقرية تكفى مؤسسة صنع قرار أمريكية كاملة. السبب طبعا هو انعدام الثقة المزمن بين الشعب والحكومة، حتى صار تصديق أى شىء حكومى سذاجة أقرب إلى الخيانة. برغم أن ضخامة الحدث هذه المرة تتكلم عن نفسها وتدل على صدق الحدث.. مثلما قال بعض المتذاكين إن حرب أكتوبر ذاتها تمثيلية.. كل النار والطائرات المحترقة والمدفعية والنابالم تمثيلية. هذه سخافات من الأفضل أن لا ترد عليها. وكيف سيواجه المخرج العبقرى الجمهور عند ما يعلن له أن هذه مجرد تمثيلية؟ 


الحقيقة أننا نتحرك.. صحيح أن هذا يتم ببطء شديد، لكن لا شك فى أننا نتحرك. وللحظات نسى الجميع خلافاتهم وصراعهم على السلطة، وتجسد كل ما يكرهون فى العالم فى صورة هذا الشيخ الراقد فى قفص الاتهام يعبث فى أنفه. بالطبع لم يخل المشهد من قسوة ومن مرارة.. ربما راودتك فكرة الشيخ المريض أو عزيز القوم الذى ذل.. لكنك تتذكر الغاز الطبيعى الذى أعطوه لإسرائيل.. تتذكر مصمصة مصر لتحويلها إلى هيكل عظمى صالح لإلقائه إلى الكلاب.. تتذكر من ماتوا فى المظاهرات.. تتذكر العبارة والدويقة.. تتذكر السرطان والفشل الكلوى وكل الذين انتحروا لأنهم لم يجدوا عملا، أو لأنهم لم يستطيعوا إطعام أطفالهم..
تتذكر هؤلاء فتتلاشى أى رواسب للشفقة قد تكون تكونت فى داخلك.


فى مقدمة المشهد يقف جمال مبارك، وهو يحمل ذات الملامح.. ملامح ضابط أمن الدولة القاسى المتغطرس البارد.. بالتأكيد هو يشعر بأن اللصوص سلبوه ما كان حقا له. لقد جاء ليحكم مصر لكن الرعاع أخذوها منه.. وجواره علاء بملامحه الأكثر قدرة على التعبير.


هذه الصورة الأيقونية لمبارك وولديه فى القفص سوف تعيش طويلا جدا، ولسوف تتذكرها أجيال كثيرة.. سوف تطارد كل زعيم عربى يحاول الوثوب على أكتاف شعبه، ولسوف يتذكرها كل الطغاة.. نعم قد يكون جهاز الأمن قاسيا متوحشا لا يرحم، لكن الجماهير فى النهاية هى الأقوى.


كان أنور السادات لا يكف عن الدهشة مما حدث لشاه إيران، ويعتبر ما حدث له (طريقة غريبة لمعاملة زعيم). والحقيقة أن الطريقة الأغرب كانت ما حدث للسادات نفسه على يد جيشه، ثم ما حدث لنائبه الذى اختاره.


فى نهاية الجلسة رأيت على شاشة التليفزيون سكان القفص يتجهون لركوب السيارات المدرعة. صور واضحة جدا عالية النقاء، ومن الواضح أنها تعليمات المجلس العسكرى. لاحظت كذلك الثقة والمرح الزائدين اللذين يتصرف المتهمون بهما، حتى تذكرت محاكمات الجماعات الجهادية التى يفرط أفرادها فى المرح والضحك أمام الكاميرا. حبيب العادلى نفسه بدا كأنه نجم يخرج إلى المسرح محييا جمهوره.. هم يقولون لنا: 
لن تنالوا انتصاركم الأخير.. لن ترونا محزونين. 


الحق إنها بداية رائعة، لكننا ندعو الله أن لا تدخل المحاكمة فى سراديب قانونية غامضة، وأن لا تكون هناك ألعاب حواة قانونية تنتهى بتبرئة هؤلاء.. هذه مشكلة أخلاقية حقيقية.. نريد محاكمة عادلة، لكننا كذلك نريد أن يدانوا! والسبب هنا هو أن أصغر طفل فى الشارع يعرف ما فعله هؤلاء. هؤلاء دمروا مصر فإن استطاعوا الإفلات بألعاب حواة، فإن الشارع سيصاب بخيبة أمل مرعبة وخطرة.


النقطة الثانية هى أننا نأمل أن تجرى الأمور بتلقائية وكما ينبغى أن يكون. هذه اللحظات كان يجب أن تتم قبل ثلاثة أشهر. مستحيل أن تتم كل خطوة باعتصام ومليونية ودماء تسيل وصراعات وبرامج كلام وصحف وأعمدة وهتافات.. لماذا لا تكون الأمور واضحة وشفافة وسريعة؟


النقطة الثالثة نقولها للناس.. الانتقام جميل وعذب.. لكننا لن نقضى الوقت فى إنهاء حسابات الماضى. بينما هذه الضوضاء تدور .. ارتفعت أسعار اللحوم والخضر من جديد حتى صارت الحياة مستحيلة فعلا.. فى كل عام لا نصدق ونحسب هذه آخر زيادة ممكنة.


الهدف الرئيسى من الثورة ليس التنكيل بهؤلاء، ولكن توفير لقمة عيش محترمة بثمن معقول لكل هذه الجموع.. أن يجد أولادنا تعليما محترما، وأن يكون عندهم مكان يلعبون فيه، وأن يتخرج الواحد منهم فيجد مسكنا نظيفا لائقا، فإذا مرض استطاع أن يجد العلاج.


المواطن العادى لا يعبأ بأخبار ائتلاف الثورة، ولا آخر بيان لحركة كذا، ولا صيغة الانتخابات القادمة ولا موعدها.. لهذا كان مشهد مبارك خلف القضبان أول مشهد يشعره بأن الثورة قامت فعلا وغيرت أشياء، والآن هو فى انتظار تأثير الثورة على بيته وجيبه وصحته وأطفاله. لقد بلغنا نهاية الرحلة وترجلت من التاكسى. أرجو أن يكتشف ذلك العجوز ضيّق الخلق أنه كان أحمق وأن القصة ليست تمثيلية.
منقول من جريدة التحرير

تعليقات

  1. مقال رائع لكاتب مميز ...يعبر بصدق عما يدور في الشارع وبين المواطنين...حتي الان لا اصدق اني عشت وشفت مبارك و العدلي في قفص الاتهام..ولو الكلام ده اتقالي قبل 25 يناير كنت قلت ..افلام الخيال العلمي اصدق من الخيال ده.....بس نقول ايه ...عملنها وخلينا الخيال حقيقه ...ولسه ..منصور يا شعب مصر العظيم .

    ردحذف
  2. غير معرف8/08/2011 02:52:00 م

    نتمنى من الله أو تكون الثورة والبلد تسيران على الطريق الصحيح

    ردحذف

إرسال تعليق

أرجو عدم كتابة أي تعليق مسيء للأديان أو مخالف للآداب العامة وأعد بنشر ما سوى ذلك مهما كان

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

10 Amazing Facts You Didn’t Know About Domain Names

وكالة الأنباء الهولندية : القذافي تعرض للإغتصاب بعصاه قبل وفاته #Gaddafi #Libya

محدث - حقائق صادمة : ذهب مصر المنهوب ... عن جبل السكري نتحدث #SCAF #Egypt #NoSCAF